محمد كرد علي
232
خطط الشام
أن ابن الشمال يهزأ بابن الجنوب على حين كلهم سواء في مناحيهم ومنازعهم ، بل إن أهل شمالي فرنسا لا يعنون بغير صناعاتهم وتجاراتهم على الأكثر ويقلّ فيهم السياسيون والشعراء الأدباء وهم كثار جدا في أهل الجنوب كثرة فاضت عن الحاجة . فيا حبذا اليوم الذي يشترك فيه قاصينا ودانينا ، فقيرنا وغنينا ، في إقامة الشركات على أنواعها ، إحياء لصناعاتنا واستبقاء للبقية التي صبرت على الأيام من ثروتنا . فالزراعة عشر الثروة العامة في العادة ، والباقي من أسباب السعادة والنماء ثمرة الأعمال الصناعية . وما السكك الحديدية والبواخر والسيارات والقصور والمصانع الفخمة وكل ما في المدنية من ضروب الراحة والرفاهية مما يلذ وينفع ، إلا نتيجة عمل العملة في المعامل ، وكل ما نشاهده وندهش به من أنواع الصناعات في أميركا وأوروبا وفي اليابان والصين والهند هو ثمرة التعاون والعلم العملي . ولذلك ساغ لنا أن نقول : إن كل ما يدفعنا ولو خطوة واحدة إلى الأمام لنقترب بسفينتنا الفقيرة من ساحل السلامة يستحق ثناء الأمة جمعاء ولا رجاء لنا في الحصول على الحاجيات ثم التطلع إلى الكماليات ، إلا بتأليف شركات صغيرة بادئ بدء تقوم برؤوس أموال وطنية ، وتستعمل من الأدوات الجديدة ما لا غنية عنه ، تنمو بنمونا في مظاهر الحياة والانبعاث . فنحن لا نقل عن الغربي ذكاء ونشاطا وإنما ينقصنا التنظيم والتدريب . وفي أرجائنا أكثر المواد الأولية اللازمة في الصناعات لا تحتاج إلا إلى معرفة قليلة للانتفاع بها واللّه الموفق والملهم .